حسن بن موسى القادري
409
شرح حكم الشيخ الأكبر
القول المذكور ، والحكمة في ترك ضمير الحصر في قوله : ( والشهادة أنانيتك ) . وقوله : ( والشهادة ظاهرك ) هي أن الحصر فيهما أخفى أو نقول : بأنه من الناسخ ، والمعنى المقصود من هذه الأمور المذكورة المتعددة المتباينة شيء واحد ، وهو الوجود المطلق الساري في الكل المتجلّي بصور الكل ، فافهم المراد حتى لا تقع في الفساد فتكون من أهل الزندقة والإلحاد ، وفي هذا المقام ظهر دعوى الحلول والاتّحاد واللّه بصير بالعباد ولا إنكار إلا لأهل الحسد والجهل والعناد . واعلم أن الشيخ الأكبر قدّس روحه ونور ضريحه جعل للغيب في مفاتيح الغيب قسمين : أحديهما بالنظر إلى نفسه ، والأخرى بالنظر إلينا ، فالغيب بالنظر إلى نفسه ، إمّا يعلم من غير وجود له فيغيبه كالمحال ، أو له وجود كما يعلم ، والأول له أقسام : كالجمع بين الضدين ، وكون الجسم في مكانين ، وقبل الواحد وجود الاثنين ، وإن المسبب يسبق السبب ومثلها السبب والوجود ؛ إذ ليس لأعيانها الوجود وهو بالنظر إلى ما سوى الحق أيضا إما أن يدرك أو لا يدرك ، وإن كان ممكن الإدراك وهو أيضا مطلق ومقيد فالأول قوله تعالى : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ [ الأنعام : 59 ] أي : جنس الغيب الشامل لأقسامه يكون نظير قولهم : أهلك الناس الدينار والدرهم ، والثاني قوله تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [ الأنعام : 73 ] . وقوله تعالى : فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً [ الجن : 26 ] إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [ الجن : 27 ] فهو يعلم بالبعض ، وقال قدس سره : [ وغيب الهو لا يدرك أبدا والمفاتيح التي عنده لا يعلمها إلا هو ] والقسم الأول للغيب بالنظر إلى نفسه ما له مفتاح وجود عيني ؛ لأن القسم الأول ما له وجود في عينه ، وقال في الكتاب المذكور أيضا : إن الغيب ليس نفس المغيب ، والمفاتيح وضعت لفتح الغيب لا المغيب ، لكن يبدو ويظهر هو خلف حجاب الغيب فالغيب كالساتر والباب ، والمفتاح يفتح به الباب لا الدار ويمكن أن يكون وراء الباب المفتوح أبواب كثار فلا يستلزم فتح الباب كشف الدار ، وقد يكشف له الدار دون الموضع المخصوص المطلوب ، فمن المغيبات ما يكون له مفتاح واحد إذا فتح غيبه يكون المغيب مشهودا ، ومنها ما يكون له مفتاحين أو ثلاثة فصاعدا ، وحقا يكون كل مفتاح غيبا لمفتاح آخر إلى أن ينتهي إلى المفتاح الأول ، ويكون ذلك عند الهو